ابو البركات

198

الكتاب المعتبر في الحكمة

المدركات الأول التي لا تحتاج ان تعرف بغيرها في حد ولا رسم والمسمون يعبرون بلفظها عن أشياء متشابهة تختلف اختلافا ظاهرا بشدة وضعف كحرارة النار وحرارة الهواء وحرارة الماء المسخن والحديد المحمى ويعنون بكل واحد من هذه شيئا يعرفونه معرفة حسية أولية بغير حد ولا رسم فإذا أرادوا الفرق قالوا أشد وأضعف وان زادوا في التعريف نسبوها إلى ما هي فيه كحرارة النار وحرارة الشمس وحرارة بدن الانسان وحرارة الحمى الطارئة عليه فما منها ما لا يفرق المدرك له بينه وبين غيره فرقا أوليا في الادراك ولا يشتبه على أكثر اللامسين والمتفاوضين ما يدركونه ويعنونه ويفهمونه من ذلك وإذا أرادوا الفرق في المفاوضة أو ميز وابعد الاشتراك لكل واحد بما يتميز به من شدة وضعف وتأثير وفعل فيقولون ان حرارة النار لطيفة محرقة وحرارة الشمس لطيفة مسخنة مصلحة مفسدة منمية مذبلة بحسب المتأثرات وأحوالها المختلفة وازمانها المتفاوتة وحرارة الحيوان لينة نافعة وحرارة الحمى فيه مشرقة مؤذية وربما قالوا لذاعة محرقة - فننظر الآن في أصناف الحرارة واختلافها واتفاقها ومشابهة بعضها لبعض ومباينته - فنقول ان الأشياء المتفقة في حال عرضية قد تتفق وقد لا تتفق في القوة الجوهرية والحقيقة النوعية فان الفضة والرصاص قد يتفقان في تقارب المرأى وتشابه اللون وهما نوعان مختلفان والماء الحار والبارد يختلفان عند حس اللمس وهما نوع واحد وطبيعة واحدة وقد يشتد التشابه ويبعد الخلاف بين النوعين المختلفين من المحسوسات كضوء القمر وضوء المصباح وقد يكثر الاختلاف بين المتفقين في الحقيقة والنوع كالانسان الحبشي والانسان التركي فلا يلزم من اختلاف الحالين والنشئين اختلاف الطبيعتين والنوعين ولا من اتفاقهما اتفاقهما ولا من اتفاقهما اختلافهما ولا من اختلافهما اتفاقهما فكذلك نقول في الحرارة النارية والشمسية والحيوانية والمزاجية والغريزية ونستدل على الاتفاق والاختلاف بعد الاتفاق في الاسم وما وضع الاسم بحسبه بدلائل أخرى ان وجدناها .